لو كنت في باريس عام 1974 ميلادي ومريت بجنب كنيسة سان سولبيس (Saint-Sulpice) بتشوف واحد شعره طاير أشعث ومعه دفتر. شوي يرفع رأسه يناظرك وشوي يرجع ينزل راسه للدفتر و يكتب فيه. المهبول ذا هو الكاتب والمخرج الفرنسي جورج بيريك.
والدفتر اللي معه صار كتاب اسمه محاولة لاستنفاد مكان في باريس ( An Attempt at Exhausting a Place in Paris ). كان يسجل فيه احداث و اشياء بلا سياق، لو فتحنا صفحة عشوائية من كتابه بنقرا التالي " خلاط اسمنت. برتقالة. قط اسود. رجل بربطة عنق. باص " في محاولة منه لملاحظة الأشياء اللي ما احد يلاحظها و يوثقها.
ولو كنت في الرياض عام 2023 وبالتحديد في حديقة الفوطة العريقة بتشوفني هناك بفرشتي وجوالي. لا شعر أشعث ولا دفتر ونظرات مريبة. خلنا نسولف شوي عن الحديقة قبل لا اقول لك وش كنت اسوي هناك. حديقة الفوطة عمرها أكثر من 60 سنة، شافت أجيال كثير من الفنانين اللي كانوا يرسمون في مرسمها يوم كان فيها مرسم، ومسرحها اللي وقف على خشبته مغنين وممثلين وناس مثلي ومثلك.
شافت الحديقة تطور الرياض وتغيرها، عاصرت مراحل كثير من عهد الملك سعود رحمة الله عليه الى يومنا هذا. لو كانت الحديقة شخص كان حكت لنا قصص لها اول مالها اخر.
وش تسوي هناك؟
ابد والله اتفلسف، قلت وش بيصير لو كان فيه فلتر تقدر تشوف من خلاله المشاعر. المشاعر وبس بدون اشخاص بدون مواقف ولبست هذا الفلتر وقعدت في الحديقة عشان تطلع كل شعور يصير فيها.
" فرح. قلق. خوف. ترقب. حزن. راحة. فضول. اعجاب…….."
المشكلة ان المشاعر معدية، ما تقدر تعزل نفسك عنها. في جلستي هذيك اللي المفروض اني اوثق وبس بدون سياق، لقيت نفسي فرحت وزعلت وخفت مع كل شعور اوثقه. دورت بنتهم اللي ضاعت معهم وابتسمت مع اللي يلعبون مع قطو ويضحكون وتحمست مع مباراة الكريكيت اللي مافهمت قوانينها بس تحمست معهم.
في كل مكان في كل وقت فيه كمية مشاعر تنتهي دورة حياتها لأننا ما لاحظناها، تعرف المثل اللي يقول جاور السعيد تسعد؟ المشكلة اليوم صرنا نجاور السعيد و ماندري عن سعادته ونقتل الشعور بتجاهله. كم سعيد جاورته ولا سعدت معه؟
نبي نلاحظ المشاعر، نبي نوثقها، نبي نكمل دورة حياة المشاعر قبل تموت.
التعليقات
لا يوجد أي تعليقات لعرضها.
تسجيل الدخول